19 يناير 2006

 

هل انتهى ’العُمر الافتراضي‘ للوطنية؟ (2)



نبدأ حيث انتهينا في المقال السابق:

هل استسلمت دول العالم لمخطط الهيمنة الأمريكي؟
هل أصيبت الشعوب بـ "الصدمة والرعب" ورفعت "الراية البيضا"؟
هل انحسرت الصراعات وانحصرت الآن في الحرب الدائرة بين ’القوة الأعظم‘ و’الإسلام الراديكالي‘؟


واقع الأمر، إننا حين ننظر، بمزيد من الروية وإمعان الفكر، إلى ما يجري في العالم الآن سنجد أنفسنا أمام صورة مختلفة تماماً عن تلك التي يرسمها لنا القائلون بانتهاء العُمر الافتراضي للوطنية وبأفول عصر ’الدولة الوطنية‘.

تأملوا معي هذه الأحداث التي وقع معظمها خلال عام 2005:
.........
حين ننظر إلى هذه الأحداث والوقائع مجتمعة، تتبدى أمامنا صورة للصراعات العالمية أشد تعقيداً بكثير مما قد يتوهمه البعض ممن يحصرون رؤيتهم في حدود ’المشهد التليفزيوني‘..

الولايات المتحدة أعظم قوة عسكرية في التاريخ؟.. نعم هذا صحيح! تسعى بكل الوسائل للإنفراد بالسيطرة على العالم وجعل القرن الحادي والعشرين قرناً أمريكياً؟ نعم هذا صحيح! تضغط بكل ما لديها من قوة لمحاصرة دور ’الدول الوطنية‘ الأخرى والانتقاص من سيادتها وتفتيتها إن أمكن؟ نعم هذا صحيح! ولكن ردود الفعل في العالم كما رأينا: استراتيجيات عسكرية تتغير.. وتحالفات جديدة تقوم.. شراكة استراتيجية ومناورات عسكرية مشتركة بين روسيا والصين.. روسيا تعيد ترتيب بيتها الداخلي والدولة تعود للسيطرة على صناعة البترول (إعادة تأميم في عصر الليبرالية الجديدة!).. الصراع في منطقة بحر قزوين يشتد بين روسيا والصين من ناحية وأمريكا من ناحية أخرى.. الهند توثق علاقتها بروسيا.. مناورات عسكرية هندية روسية مشتركة.. روسيا تبني للهند ثلاث بوارج حربية عملاقة.. وأمريكا تحاول بكل السُبُل اجتذاب الهند ومنع قيام محور يضم روسيا والصين والهند.. علاقات اقتصادية وعسكرية متنامية بين إيران والصين وروسيا.. الصين تستثمر عشرات المليارات من الدولارات في القطاع البترولي الإيراني وتساعد إيران في تطوير صورايخها البعيدة المدى.. روسيا تساعد إيران في برنامجها النووي وتزودها بمنظومة صاروخية متطورة للدفاع الجوي.. وإيران تزداد تمسكاً بمواقفها، وتؤكد عزمها على استئناف تخصيب اليورانيوم، وتُعلن أنها لن تسمح للمفتشين بزيارة منشآتها النووية إذا أُحيل ملفها النووي إلى مجلس الأمن.. كوريا الشمالية لا تتزحزح عن مواقفها.. وكوريا الجنوبية تُحاول التملُّص من الإملاءات الأمريكية.. الولايات المتحدة لم تعد الشريك التجاري الأول لليابان والصين تحتل الآن المركز الأول في الصادرات اليابانية، والمحللون الاقتصاديون يقولون إن السوق الصينية أصبحت الآن مُحرك التنمية في اليابان وكوريا الجنوبية .. احتدام الصراعات التجارية بين أمريكا وأوروبا والصين حول المنسوجات والملابس والطائراتالإيربَص» الأوروبية في مواجهة «البوينج» الأمريكية) ودعم الحاصلات الزراعية.. ودول الجنوب تتجمع من جديد للدفاع عن مصالحها في مواجهة السياسات الاقتصادية لدول الشمال.. فشل قمة الأمريكيتين في التوصل إلى اتفاق بشأن «منطقة التجارة الأمريكية الحرة» التي تدعو الولايات المتحدة إلى الإسراع بإنشائها والرئيس الفنزويلي «شاڤيز» يقول إن هذا المشروع "دُفن إلى الأبد".. أمريكا اللاتينية -الفناء الخلفي للولايات المتحدة- تتجه نحو اليسار بقوة، مع تصاعد الرفض الشعبي للسياسات الليبرالية الجديدة ولتسلط الولايات المتحدة.. البرازيل والأرجنتين وفنزويلا وبوليفيا وشيلي يحكمها الآن رؤساء يساريون. والمراقبون يتوقعون انتصار المرشحين اليساريين في الانتخابات الرئاسية التي ستُعقد هذا العام في المكسيك والبرازيل وبيرو ونيكاراجوا وفنزويلا...

يعني - باختصار - ’الصراعات القومية‘ و’الوطنية السياسية والاقتصادية‘ مش لسه موجودة وبس.. لأ دي بتزداد تعمقاً واتساعاً على مر الأيام. ’الدول الوطنية‘ و’المصالح الوطنية‘ مازالت هي القوى الأساسية المُحركة للصراعات.. التاريخ لم ينته.. أمريكا تريد إعادة رسم الخريطة.. والقوى المناهضة لها تسعى إلى رسم خريطة أخرى وبتغيَّر بالفعل ميزان القوى العالمية.. الحركات الشعبية الجديدة تتقدم وتُحرز انتصارات.. والصراع مستمر...

الصراع الذي يحتدم الآن حول إصلاح الأمم المتحدة وإعادة تشكيل مجلس الأمن، أليس صراعاً بين ’دول وطنية‘ يسعى كل منها، بكل ما يملك من قوة، للدفاع عن ’مصالحه الوطنية‘، أو ما يتصور إنه مصالحه الوطنية، على الساحة الدولية؟

الصراع الضاري الذي يحتدم داخل منظمة التجارة العالمية.. أليس صراعاً بين ’دول وطنية‘؟

"النزعات القومية، والثقافات المجتمعية، والطموحات ذات الجذور الضاربة في التاريخ، لا تزال"، كما يقول الكاتب الفرنسي «آلان جريش»، "موجودة في كل مكان. وعدد الذين يرفضون الخضوع للنظام العالمي يتزايد يوماً بعد يوم. ففي مواجهة أمريكا التي لا تتردد في حماية مصالحها، كما يتضح في موقفها من بيع شركة «يونوكال»، تتأكد الوطنية الاقتصادية والسياسية والتصميم على الدفاع عن الاستقلال، من بكين إلى ساوباولو ومن سيول إلى نيودلهي".(3)
***

واهمٌ من يتصور أن القوى الكبرى الأخرى - أوروبا وروسيا والصين - "كومبارس" أو أصبحت "كومبارس".. المفكرون الاستراتيجيون الأمريكيون الكبار - مثل «كسينجر» و «بريجينسكي» - ينظرون إلى هذه الدول كقوى فاعلة رئيسية على الساحة الدولية. «كسينجر» قال بوضوح إنه لا يعتقد إن الظروف الجديدة في العالم بعد انتهاء الحرب الباردة تُعطي لأمريكا حرية التصرف في العالم منفردة بطريقة تختلف عن الطريقة التي اتبعتها أثناء الحرب الباردة، أي بعيداً عن حلفائها في أوروبا واليابان. «بريجينسكي» يؤكد هو الآخر أهمية التحالف مع أوروبا والعمل "المُتعدد الأطراف"، وينتقد استراتيجية "الحرب الاستباقية". حتى "المُحافظين الجدد" لا ينظرون إلى القوى الكبرى الأخرى كـ "كومبارس" بل ينظرون إليها كقوى منافسة محتملة يمكن أن تُزاحم أمريكا في السيطرة على العالم. هذا ما تؤكده كل وثائقهم وتصريحاتهم وتصرفاتهم. هذا الجناح اليميني المُتطرف في النُخبة الحاكمة الأمريكية يشعر بأن أمريكا تفقد تفوقها الاقتصادي، ويريد أن يستغل التفوق العسكري الأمريكي الراهن لقطع الطريق على المنافسين قبل فوات الآوان. ولكن الحقائق على الأرض شيء آخر!

الذين يتصورون أن أمريكا تُنفذ مُخططات المحافظين الجدد "بدقة مُتناهية" واهمون! الذين يتصورون أن أمريكا إله "لا راد لقضائه" واهمون! لا أحد في هذا العالم - لا دولة ولا جماعة ولا فرد - يمكن أن "تُنفذ مخططاته بدقة متناهية". لا أحد يتحرك في فراغ! فما بالنا حين تكون هذه المخططات قد عميت أصلاً عن إدراك حقائق الواقع. هل يمكن أن تُنفذ عندئذٍ "بدقة متناهية"؟! الأمريكان أنفسهم يعترفون بأن ما حدث في العراق لم يخطر لهم على بال. وها هو «بول بريمر»، الحاكم الأمريكي للعراق بعد الاحتلال، يقول لنا بوضوح منذ أيام قلائل: "إن حدوث تمرد [مقاومة] أمر لم يخطر لنا على بال We really didn't see the insurgency coming"!

الجنرال «أنتوني زيني»، القائد السابق للقيادة المركزية الأمريكية، يقول لنا - بصراحة جديرة بالقائد العسكري الجاد - إن الاستراتيجية الأمريكية للحرب على العراق (أي مخططات المحافظين الجدد!) كانت مَعيبة ("مضروبة" بالتعبير الشعبي المصري) The strategy was flawed. فهل يمكن تنفيذ "استراتيجية مضروبة" بدقة متناهية؟!

نترك الحديث للجنرال «زيني»:
"الخطأ الثاني الذي سيسجله التاريخ، في اعتقادي، هو أن الاستراتيجية كانت مَعيبة (...) فكرة أننا سندخل [إلى العراق] ونُقابَل هناك بالأحضان (...) فكرة أننا نستطيع استراتيجياً، بهذا العمل العسكري، أن نُصلح الشرق الأوسط ونُعيد تشكيله ونُغيرّه .. حسناً، ها نحن قد غيرناه" !

"لقد كانت استراتيجيتنا مَعيبة إذن. وكل أولئك الذين اعتقدوا أن هذا العمل سيكون حافزاً لنوع من التغيير الإيجابي، أو لنوعٍ ما من التغيير الثوري في المنطقة، حصلوا على ما لم يكن في حسبانهم، لأنهم لم يفهموا المنطقة، لم يفهموا ثقافتها ولا وضعها ولا قضاياها، ولم يفهموا أثر ما سيقومون به على الناس هناك
".
إن التكاليف المالية للحرب على العراق - كما تؤكد دراسة حديثة للعالم الاقتصادي الأمريكي «جوزيف ستيجلتز» (جائزة نوبل في الاقتصاد) و«ليندا بيلمس» خبيرة شئون الميزانية بجامعة «هارفارد» - تبلغ على أقل تقدير تريليون دولار (1,000,000,000,000 دولار) وقد ترتفع لتصل إلى أكثر من تريليوني دولار (2,000,000,000,000 دولار)!

هل كان هذا أيضاً في حُسبان المحافظين الجدد الذين تُنفذ مخططاتهم الآن "بدقة متناهية"؟!! يكفينا أن نذكر هنا، على سبيل المقارنة بين "المخططات" والواقع على الأرض، أن «لاري لندسي»، المستشار الاقتصادي للرئيس «بوش»، حين صرح قبيل حرب العراق مباشرة بأن تكاليف الحرب قد تتراوح بين 100 و200 مليار دولار، أثارت تصريحاته حينذاك غضباً واستنكارًا شديداً لدى البيت الأبيض، ولدى البنتاجون بصفة خاصة الذي اتهمه بالمبالغة والتهويل!

أين ما يحدث الآن في العراق من مُخططات وسيناريوهات المحافظين الجدد؟! كانت وثائق المحافظين الجدد تتحدث عن "خوض عدة حروب كبيرة في وقت واحد وتحقيق نصر حاسم فيها fight and decisively win multiple, simultaneous, major-theater wars"، فأين هذا مما يحدث في العراق؟! كانت تتحدث عن "تحقيق السيطرة السريعة achieving rapid dominance" فأين هذا مما يحدث في العراق؟! كانت تتحدث عن "شل إرادة المقاومة [لدى الخصم] قبل القتال وأثنائه وبعده destroy the will to resist before, during, and after battle" فأين هذا مما يحدث في العراق؟! كانت تتحدث عن إجبار العدو على "الشعور بالعجز feeling of impotence" فأين هذا مما يحدث في العراق؟! أين "الدقة المُتناهية" إذن في تنفيذ مخططات المحافظين الجدد؟! وهذا في مسرح قتال تم إعداده على مدى اثني عشر عاماً كاملة كما يؤكد البنتاجون!

أترك التعليق لـ «ريتشارد درايتون»، أستاذ التاريخ بجامعة كمبردج. يقول «درايتون»:
"لقد كشفت العراق عن مدى الغرور في الاستراتيجية الإمبراطورية الأمريكية. إن شعباً صغيراً يستطيع أن يشل قدرة دولة عظمى. فالتفوق في الجو والفضاء لا يضمن السيطرة على الأرض. ولا يمكن إجبار الشعوب بالإرهاب على التماهي مع أمريكا. لقد أثبتت الولايات المتحدة أنها قادرة على التدمير الواسع النطاق، ولكنها عاجزة عن البناء أو حتى السيطرة. لقد تحولت أفغانستان والعراق إلى حُطام، ولكن المحتلين يقبعون مرتعدين وراء جبال من أسوار الخرسانة المسلحة".
***
طيب لمّا حد في بلادنا العربية، اللي أمريكا عايزه تغيَّر خريطتها، ومُعتبره السيطرة عليها مفتاح للتحكم في العالم كله، لما حد عربي يستشعر الخطر على بلاده في الظروف دي.. يبقى مُتعصب وجاهل ومتخلف؟! لما حد عربي يسمع «فرانك كارولتشي»، وزير الدفاع الأمريكي الأسبق، بيقول:
"لدينا استراتيجية عُليا غاية في البساطة، نحن نُريد في المنطقة نُظُماً مُوالية لنا، لا تُقاوم إرادتنا، ثم إننا نُريد ثروات هذه المنطقة بغير مُنازع، ونريد ضماناً نهائياً لأمن إسرائيل لأنها الصديق الوحيد الذي يمكننا الاعتماد عليه في هذه المنطقة".(4)
لمّا حد عربي يسمع الكلام ده.. هل المفروض إنه يقول: "تمام يا أفندم. دا شرف لبلادنا. إحنا تحت الأمر ورهن الإشارة؟"!

لما حد عربي يسمع المسئولين الأمريكان بيقولوله "العراق هو النموذج".. وهو شايف في العراق مدن وقرى بتضرب بالقنابل العنقودية والفسفور الأبيض والنابالم وبتتسوى هي وسكانها بالأرض.. وعشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين في السجون.. وعصابات قتل تابعة للحكومة بتغتال المعارضين.. ومراكز وسجون سرية للتعذيب.. ومليارات الدولارات بتتسرق من أموال العراق وماحدش عارف هي راحت فين.. وصحافة مرتشية ومحطات إذاعية وتليفزيونية مخصصة لغسل عقول العراقيين.. وتحريض متواصل على الحرب الأهلية.. ومشروعات لتقسيم البلد على أُسس طائفية.. وعُقود بمليارات الدولارات تُمنح للشركات الأمريكية بدون أي رقابة وبدون ما يكون للعراقيين أي كلمة أو أي رأي.. وآثار العراق بتتنهب تحت سمع القوات الأمريكية وبصرها.. وشركات البترول الأمريكية الكُبرى بتستعد لاقتسام الغنيمة الكبرى والاستيلاء على حقول البترول العراقي..

لما حد يقول لنا "ده النموذج" هل المطلوب مننا إن إحنا نقول "آمين!". هل نحن قطيع من الحمقى والبُلهاء؟!

هل لمّا حد يرفض الاستسلام للخراب المستعجل ده يبقى رجعي ومُتحجر ويتقال عليه "شوڤيني"؟! إزاي؟! أفهم لو إتقال عليه، مثلاً، إنه مُغامر ومُتهور ومش مقدَّر العواقب، لأن أمريكا عندها صواريخ وحاملات طائرات وقنابل ذرية، وإحنا مش قد أمريكا. الكلام ده ممكن يبقى فيه شيء من المنطق، وممكن فعلاً يكون موضوع مناقشة. لكن يتقال عليه " شوڤيني".. كده خبط لزق؟! إزاي؟ وليه؟؟؟ تصوروا إن فيه ناس بالفعل بتقول إن انتقاد – مجرد انتقاد - مواقف أو سياسات دول أخرى معناه "شيطنة" الآخرين، ومادمت بتشيطن الآخرين تبقى بتمدح في نفسك، وده اسمه " شوڤينية وكسل أخلاقي"!

***
على كده يبقى تاهت ولقيناها! ويبقى معنى الشوڤينية، عند الناس اللي بيقولوا الكلام ده، واضح: الشوڤينية معناها إنك تغلط في حق دول أخرى، تنتقد سياساتها مثلاً أو تدعو إلى مقاومة هذه السياسات، تقول مثلاً إنها بترتكب فظائع أو بتستخدم أسلحة محرمة دولياً، أو بتقتل عشرات الآلاف من المدنيين، أو بتعذب الأسرى والمعتقلين، زي ما حصل وبيحصل في «جوانتانامو» و«أبو غريب» وسجون سرية لا يعرف أحد مكانها، وتنسى إنك إنت نفسك مليان عيوب! طيب لو أخدنا بالكلام ده، حنكتشف ببساطة إن الشوڤينية، اللي بيقولوا عليها دي، ظاهرة منتشرة بين غالبية الناس في العالم. مئات الملايين من الناس، على امتداد العالم كله، بتنتقد السياسات الأمريكية. وأمريكا مقدرتش تحصل على قرار من مجلس الأمن يُؤيد غزوها للعراق، واضطرت لسحب مشروع القرار، لأول مرة في تاريخ مجلس الأمن، لأن الأغلبية الساحقة من الدول أعضاء المجلس كانت ضدها. شعبية أمريكا، في العالم كله، مهتزة الآن إلى أقصى الحدود، والصحافة الأمريكية والنخبة الحاكمة الأمريكية نفسها لا تكف عن التساؤل: "هما بيكرهونا ليه؟". وبينما تصل القوة العسكرية الأمريكية إلى ذروة لم يعرفها العالم من قبل، تنحدر شعبية الولايات المتحدة إلى حضيض غير مسبوق.. "حتى الصين تحظى بشعبية أكبر من أمريكا" كما يقول مانشيت لصحيفة «إنترناشيونال هيرالد تريبيون» الأمريكية في 24 يونيو 2005. والإدارة الأمريكية بتشن حملة إعلامية ودبلوماسية على نطاق العالم كله لتحسين صورة امريكا و’كسب القلوب والعقول‘ حسب تعبير الأمريكان أنفسهم.

الحركة المناهضة للهيمنة الأمريكية والعدوان الأمريكي تكتسب أبعاداً غير مسبوقة في التاريخ. لم يسبق أن وجدت في العالم حركة بهذا الاتساع. الرأي العام العالمي أصبح "قوة أعظم جديدة" كما قالت صحيفة «نيويورك تايمز». ألمع أعلام الثقافة والفكر في العالم يقفون ضد السياسات الأمريكية: «جاك دريدا» (قبل وفاته في أكتوبر 2004).. «تشوميسكي».. «جارثيا ماركيز».. «باولو كويلهو».. «كارلوس فوينتس».. «هارولد بنتر».. الأسماء تفوق الحصر، ومعهم آلاف من الكتاب والأكاديميين والقادة الاجتماعيين والدينيين والنقابيين على امتداد قارات العالم.. الحركات الاجتماعية العالمية الجديدة، الُمناهضة للعولمة المتوحشة والليبرالية الجديدة ولسياسات المؤسسات المالية الدولية، تتسع وتزداد تنظيماً يوماً بعد يوم. آلاف المواقع بكل لغات العالم على شبكة الانترنت تُدين السياسات الأمريكية والغزو الأمريكي للعراق..

وحتى داخل أمريكا نفسها، أصبحت شعبية إدارة «بوش» في أدنى مستوى لها كما تقول استطلاعات الرأي الأمريكية. مجلة «فورين أفيرز Foreign Affairs»، أهم مجلة للشئون الخارجية في الولايات المتحدة، نشرت في عددها الأخير مقال لـ «جون موللر John Muller»، الخبير في شئون الحرب والرأي العام، يقول فيه بالحرف الواحد: "إن الشيء الوحيد اللافت للنظر فيما يتعلق بالحرب الراهنة في العراق هو الانهيار السريع لتأييد الجمهور الأمريكي". ويضيف: "لقد هبط التأييد بسرعة أكبر مما حدث سواء أثناء الحرب الكورية أو حرب فيتنام. وإذا كان لنا أن نسترشد بالتاريخ، فليس لدى إدارة بوش سوى القليل مما تستطيع فعله لوقف هذا الهبوط".(5)

***
مئات الملايين من الناس بينتقدوا السياسات الأمريكية، وناسيين عيوبهم و"البلاوي السودا" اللي في تاريخهم!! الظاهر – والله أعلم - إن الشوڤينية، بالمعنى اللي بيقولوا عليه ده، داء عُضال ومتأصل في البشر. الحقيقة الواحد مش عارف يقول إذا كانت شعوب العالم هي اللي مسكينة ومش دارية إن الغلط راكبها من ساسها لراسها، ولا أصحابنا اللي بيتهموها بالشوڤينية والكسل الأخلاقي هما اللي مساكين وبينفخوا في قربة مقطوعة، لأنهم واقفين في جنب وغالبية الشعوب في الجانب التاني؟!

........
ولكن أليس من الجائز أن تكون "الشوڤينية" التي يتحدث عنها هؤلاء لها معنى آخر غير المُصطلح عليه في كل لغات العالم؟

أليس من الجائز أن تكون كلمة "الشوڤينية" هذه مجرد كلمة جديدة – "باين عليها شيك كده" - يُرددها البعض مُسايرةً للموضة دون إدراك كافٍ لمعناها؟

ثم أليس من الجائز أيضاً أن يكون الاتهام بالشوڤينية سلاحاً يُستخدم لإرهاب المُعارضين للسياسات الأمريكية مثلما يستخدم الاتهام بالعداء للساميّة لقمع المعارضين للإرهاب الصهيوني؟

والحديث متصــــل ..


(1) Serge Marti, Le dernier état du monde, Le Monde: Dossiers et Documents, n°330, avril 2004, p.1

(2) المرجع نفسه


(4) محمد حسنين هيكل، القرار السياسي الأمريكي في زمن قادم، وجهات نظر، العدد 57، أكتوبر 2003، ص. 17