24 يوليو 2006

 

حرب الأمة


د. تميم البرغوثي

أقول كلامي هذا دارساً للعلوم السياسية، لا شاعراً ولا وطنياً ولا عربياً ولا مسلماً: إن المقاومة الإسلامية، الجناح العسكري لحزب الله اللبناني، بقيادة أمينه العام السيد حسن نصر الله قد قضت على دولة إسرائيل. وقد يبدو الكلام للوهلة الأولى أماني وأحلاماً أو مبالغة خطابية، غير أنني أعني ما أقول تماماً، وسأبين أدناه لماذا أعتقد أن حزب الله سينتصر في هذه الحرب، ولماذا أعتقد أن انتصاره فيها سيؤدي، بقوة المثل والنموذج، إلى القضاء على إسرائيل، ولو بعد حين.

أما الحرب القائمة اليوم، فلن أجادل في أن إسرائيل تملك من القدرات العسكرية ما قد تهزم به عدة جيوش عربية مجتمعة، ولكنها عاجزة أمام المنظمات الفدائية التي تستدرجها في حرب مدن أو أحراش في مناطق ذات كثافة سكانية. ذاك أن جيش إسرائيل، كأي مؤسسة صناعية متقدمة، لا يعتمد على العدد بقدر ما يعتمد على العدة، وحرب المدن والأحراش تستدعي من الجيش القائم بالاحتلال أن يعمل عمل الشرطة في تأمين المدينة وتأمين جنده فيها، وذلك يتطلب عدداً لا عدة وهو عند الغزاة قليل. ثم إن الاشتباك في المدن بين جنود الاحتلال والمقاومين يحيد أهم سلاح تتميز به إسرائيل على العرب وهو الطيران. فإن استُخدِم فإن ذلك يكون قبل الالتحام في حرب المدن وإدخال المشاة، لأنهم إن دخلوا واستمر القصف، قصف الجيش الغازي جنوده. ولا أثر كبيراً للغارات الجوية إلا على المدنيين في بيوتهم، لأن الطيران يعجز عن التقاط الفدائيين الأفراد خفاف الحركة، فإن كان استشهاد المدنيين، أي أنا وأنت، لا يفت في عضدهم ولا في عضد المقاومة بل يقويها، أصبح الطيران بلا قيمة، ولزم أن تدخل إلى المدن القوات البرية لتواجه انعدام ميزتها وتفوق المقاومين من أهل البلد عليها عدداً، ومعرفة بالمكان والسكان، وهذا يصح في لبنان كما يصح في غزة والعراق. وعليه فإن إسرائيل لا تقدر على الغزو البري في محيطها اليوم، فهي تتجنب الجنوب اللبناني وغزة ومناطق الكثافة السكانية والمقاومين المختبئين في الأزقة وغابات الزيتون، ولا يمكن أن يتغير شيء من أهدافها المعلنة إلا بغزو بري سواء في ذلك الإفراج عن أسيريها، أو نزع سلاح حزب الله أو انسحابه شمالاً، فالقصف الجوي لا يغير شيئاً على الأرض كما أسلفنا. وذلك ينسحب على سوريا أيضاً، فأقصى ما يكون من إسرائيل أن تقصف سوريا جواً ولا يمكنها أن تحتل البلاد براً أو أن تغير من الإرادة السياسية فيها. أما إيران، فلا تستطيع إسرائيل المس بها بسبب سيطرة إيران على الوضع في العراق، وأمريكا لا تريد أن ينقلب عليها عبد العزيز الحكيم ومقتدى الصدر معاًً يؤمهما علي السيستاني. والرجال الثلاثة علاقتهم أوثق بإيران منها بالولايات المتحدة، ولن يتأخر سنة العراق عن محالفتهم إذا رأو أنهم صاروا إلى خندقهم بعد ما كانوا على شفا حفرة من النار. فإسرائيل إذن لا تملك احتلال لبنان، ولا قتال سوريا ولا إيران، فرهانها الوحيد هو أن يؤدي تدمير البنية التحتية بالحكومة اللبنانية إلى الضغط على حزب الله لتسليم سلاحه تنفيذاً لقرار مجلس الأمن 1559 كما تفهمه إسرائيل وحلفاؤها في لبنان، وهي سياسة حمقاء على قول السيد حسن، لأن الحكومة في لبنان لا تقدر أن تجبر حزب الله على شيء تحت النار الإسرائيلية وإلا ركبتها الخيانة بما ينقض عليها سلطتها، فلا يطيعها حزب الله ولا غيره. والحكومة لا يسعها، والحال هذه، إلا أن تعد إسرائيل وعداً بنزع سلاح الحزب بعد أن توقف إسرائيل حربها لا قبل ذلك. فإن أوقفت إسرائيل حربها، يكون الحزب قد خرج منتصراً بما يزيد في قوته ولا تستطيع الحكومة بعدها ولا أية قوة أخرى في لبنان أن تفي بوعدها لإسرائيل وأن تنزع سلاحه. إذن فقد دخلت إسرائيل، كما ترى في مصيدة لا مخرج لها منها ، إلا كما قال السيد، بأن تفرج عن الأسرى، وتعود من حيث أتت.

أما بشأن الثمن الذي يدفعه لبنان فلا يزايدن أحد على أهالي الشهداء. إن من قتلتهم إسرائيل هم من شيعة الجنوب، وقلوبهم مع حزب الله، وهذه الطائفة من الناس قد بينت استعدادها للقتال، فأنا لا أفهم سنياً من بيروت أو مارونياً من الجبل، أو حاكماً عربياً، يلوم حزب الله في استشهادهم، بينما أهل الشهداء وأولياء الدم منهم لا يلومونه ويؤازرونه. أما عن خسائر لبنان الاقتصادية فإن ريع النفط في أسبوع بعد ارتفاع أسعاره، يكفي أن ترد لبنان كما كان.

هذا عن انتصار حزب الله في الحرب القائمة الآن، أما كيف يقضي ذلك على إسرائيل فإنما يكون ذلك بقوة المثل والنموذج كما قلت. فالعبقرية في مثل حزب الله أنه ليس دولة، وليس مقيداً بالقيود القانونية والاقتصادية التي تقيد الدول، وأن انتصاره على إسرائيل معتمداً على تنظيم بديل للدولة العربية يحمل في طياته إمكانية هدم النظام الإقليمي من أساسه. فكما أسلفت، لا يستطيع الغزاة أن يواجهوا حركات المقاومة لنقص عددهم، فهم يلجأون عند ذلك إلى إنشاء دول في المناطق المغزوة تكون تابعة لهم اقتصادياً وسياسياً، فيكون لحكام هذه الدول مصلحة سياسية والتزام قانوني بتفكيك منظمات المقاومة. فالدول العربية، كمؤسسات، جزء من منظومة الاستعمار، وقد ولدت هي وإسرائيل من رحم استعمارية واحدة، والضامن لوجودها ولوجود إسرائيل نظام دولي حددت ملامحه بريطانيا وفرنسا قديماً، ثم الولايات المتحدة الآن. فإن سعت دولة عربية في محو إسرائيل تكون قد سعت في محو ذاتها، فكل الدول العربية مناطق عازلة بين الناس وغزاتهم. وهنا تكمن قوة المثل في الحرب الحالية فإن حزب الله أثبت عام ألفين أن منظمة شعبية، ليست بدولة، قادرة على هزيمة إسرائيل، وساهم ذلك في رفع معنويات الناس واندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية بعد أربعة أشهر فقط من تحرير جنوب لبنان، ويعلم الله ماذا سيؤدي إليه انتصار حزب الله اليوم من حسن أتباع الأمة لمثله ونموذجه. إن هذه الرسائل التي أرسلها حزب الله إلى الأمة واستقبلتها، ستعاني منها إسرائيل كثيراً في المستقبل، فإن إسرائيل حين قامت لم يكن في فلسطين أكثر من بضعة مئات من الآلاف من الناس، أما الآن فالميزان الديمغرافي قد تغير، وليس وضع الجندي اليهودي في جنوب لبنان بآمن منه في الجليل إذا انتظم عربه في حزب كحزب الله أو إذا امتد إليهم حزب الله فشملهم. إن في تكرار نموذج حزب الله يحمل في طياته احتمال أن ينجح الناس في تنظيم أنفسهم في دول بديلة عن تلك التي يعترف بها القانون الدولي ويقيدها.

ويجدر بي القول، أنه لما كانت الحرب التي تهزم إسرائيل وتقضي عليها حرباً تخوضها الأمة، حين تنظم نفسها في أطر بديلة عن إطار الدولة التي خلقها الاستعمار وقيدها بقيود قانونية واقتصادية وحكَّم فيها أسافل الناس، فإنها تكون حرب معنويات أكثر منها حرب معدات. وهنا نشير إلى مفهوم ميزان الرعب الجديد على علم العلاقات الدولية، فمنذ خمسين عاماً بيننا وبين إسرائيل، نموت نحن، ويخافون هم، أعني أن قذيفة تسقط على قانا وتقتل أهلها لا تفيد إسرائيل شيئا على الصعيد السياسي، فلا تصبح إسرائيل بعد كل مجزرة آمن منها قبلها، بل يزيد الخطر عليها بزيادة من لهم عندها ثأر يطلبون به ثم يطلبه أولادهم. أما الصاروخ الذي يسقط في وسط حيفا فيدمر محطة قطارات أو مصفاة نفط، حتى وإن لم يقتل أحداً، يدخل ثلاثة أرباع المليون إسرائيلي إلى الملاجئ، ويكلفهم من الخوف والحذر ما لا يطيقون معه العيش، وهم أحرص الناس على حياة، وحرصهم مقتلهم. ولما كانت فكرة إسرائيل أنها مأمن لليهود، فإن حروباً كهذه تجعلها أخطر مكان يكون فيه اليهودي في العالم، فينهدم مشروعها من أساسه.

وتبقى لحزب الله واحدة لا بد من ذكرها في باب المثل، فقد أعاد للأمة ثقتها بنفسها، وذكرها أن المقاومة الإسلامية لا تعني تدمير أجهزة التلفزيون والحواسب الآلية والعودة تقنيا إلى القرن الأول الهجري، بل إن نظاماً اجتماعياً مفتوحاً وقابلاً للتغير والتكيف يمكن أن يطلع من عباءة الثقافة العربية والإسلامية وروافدها وأن يكون ملهما لغير المسلمين من أهل هذه البلاد ويكون اقتراحاً على العالم كله.

وختاماً عندي كلمة للسيد حسن، هو عندي أمير المؤمنين وأنا ما رأيت ولا سمعت ولا قرأت عن رجل عاش في القرون الثمانية الماضية يصلح لها كما يصلح هو.

أما الحكام العرب، فأقول لهم، لا تلووا أنفسكم بين الأمة وأعدائها فلن يرضى عنكم العدو ولن ترضى عنكم أمتكم، تنحوا، فنحن أولياء الدم، وقد جعل الله لنا على عدونا سلطانا، أما أنتم فقد لحقكم عارها وأنتم أهل العار قديماً، وأقول لكم قولاً سمعه كل ابن مرجانة قبلكم فلم يفهمه، إن لم تكن فيكم بقية من دين فكونوا عرباً على أنسابكم، والله لقد استُحلت حرمكم وأنتم تنظرون، تخافون مما لا يخيف، وتقدمون على العار إقدامكم على الماء والرغيف، وإن مراياكم تهجوكم كل صباح، غير أنكم قوم لا تعقلون.


د. تميم البرغوثي
17 تموز يوليو 2006
نشر هذا المقال في جريدة العربي الناصري بتاريخ 23/7/2006

تعليقات (13):

  Blogger Yasser_best قال/قالت:

يملك د. تميم البرغوثي منطقاً يستحق القراءة والنقاش.. أتفق مع رؤيته بأنه من الصعب على إسرائيل أن تهزم حزب الله لعوامل ترتبط بلبنان وإسرائيل وحسابات تمتد إلى العراق وإيران.. وأزيد فأقول إن حزب الله سيخرج من تلك الحرب أكثر شعبية من ذي قبل.. وأتفق مع الكاتب في أن القدرات العسكرية لجيش إسرائيل النظامي تحول دون قدرته على مواجهة ما يسمى حرب عصابات مع مقاتلي حزب الله
لكنني قد أختلف معه في بضع نقاط.. فلا حسن نصر الله أمير المؤمنين - وقد التقيت معه وحاورته حواراً مطولاً في ضاحية بيروت الجنوبية عام خمسة وتسعين- ولا حزب الله هو النموذج النقي والمثال الوطني النقي.. غير أنه يبقى أفضل من حكام متخاذلين.. تطلبهم أمريكا في بيت الطاعة فيأتون صاغرين
ويبقى أن المقال مهم وثري

24/7/06 23:38
   
  Blogger عمرو عزت قال/قالت:

لا عيب أن نسرد أحلامنا و امانينا أو أن نصوغ رؤي شعرية عن الواقع و المستقبل كما نتمناه

و لكني اعترض علي تقدمته هذه الرؤية- التي اتمني معه حدوثها - بذكره انها تستند الي العلم السياسي

حسنا .. كلنا مع المقاومة و ضد اسرائيل

و ما نفعله و نقوله لن يتجاوز الجانب الرمزي اللهم الا المساعدات لـ جهود الاغاثة هناك
و نتمني ان تصل

لذا فلا ضير ابدا ان نحاول ان نتعلم بعض الدروس الهامة
و نختلف حول كل شيء
فلا اختلافنا و نقدنا لحزب الله سيفتت صفوفنا امام قناة الجزيرة

يكفي فقط ان ننوه اننا عمليا ندعم المقاومة بغض النظر عن تقديرنا لخطواتها

اذا حاولنا ان نري الامر رؤية علمية عقلانية فان اسئلة ما لا بد ان تطرخ نفسها
ماذا يعني ذلك المصطلح الغامض : " القضاء علي اسرائيل "
هذا المصطلح ينفي انحيازه لخيار دولتين لكل من اسرائيل و فلسطين بحسب حدود 67
حسنا
هل نتحدث اذن عن ابادة لليهود علي ارض فلسطين
ام انه قضاء علي السلطة فقط و اقامة دولة واحدة للعرب و اليهود
هل نعتقد ان صواريخ اسرائيل علي بيروت و صواريخ حزب الله علي المدن الاسرائيلية
التي يعيش بها اليهود والعرب
هل الصواريخ المتبادلة علي البيوت هي التي يمكن ان ترجح خيار دولة واحدة و تعايش مشترك
ما هي رؤيتنا اذن التي تستند الي العلم السياسي بهذا الشان ؟

انا مندهش من ان نتحدث عن القضاء علي اسرائيل بهذه السهولة و هذه البساطة
و في هذه الظروف


ثالثا : انا لن اتحدث عن تنصيب الكاتب لنصر الله - له كل الاحترام و التقدير - اميرا للمؤمنين
فلعل الكاتب يستثني هذه الفقرة من خطابه العلمي

و لكن فلنتحدث عن طرحه الذي عول فيه علي الاطر البديلة عن الدولة التي ستتولي المقاومة و تحل محل الدول التي صنعها الاستعمار

هل الاطر البديلة التي يتحل محل الدولة هي اطر علي اساس ديني او طائفي
و هل نطرح بديلا لدول صاغ حدودها الاستعمار جماعات طائفية تقسم كل وطن الي مجموعة اوطان
للناس الحق في التنظيم الديني و لكن عندما يتجاوز هذا الاطار دوره ليلتهم كل اشكال التنظيم الاخري
ليصبح حزبا سياسيا و ميليشيا عسكرية و مظلة تامين اجتماعي و خصوصية ثقافية

هل هذه الاطر التي تتقاتل اليوم في العراق هي البديل الصحيح للدول

ما اراه الان هو مثال متردي لغياب الدولة
فبينما يسطر حزب الله بطولات رائعة في المقاومة علي الارض
لبنان من خلفه مكشوف للعدو و انتقامه

علينا ان نعي اذن ما معني ان تصبح اطرا بديلة انتقاصا من الوطن
تتضخم هي بينما يتضاؤل هو
و النتيجة ان السواد الاعظم من الناس يعانون
اعتقد اننا بحاجة لاطر تضيف للدولة و تحررها لا ان تنقضها و تستبدلها
بحاجة لتنظيم مجتمعاتنا و تقوية مؤسسات دولتنا و تحريرها من الفساد و الاستبداد
الدولة علي مر التاريخ هي الشكل الارقي للفعل الجماعي المنظم
و الحركات الشعبية اما تقوم في حالة غيابها - حالة الاحتلال
او بالتوازي معها و في حمايتها

و لكن امامنا واقع مشوه
لذا نري علي جانب مقاومة شرسة تربك العدو
و علي الجانب الاخر وطن ظهره الي الحائط

اعرف خصوصية و تعقيد الحالة اللبنانية
و لكني اعقد الامل علي الروح الوطنية الصاعدة التي تحلم بوطن حر ديمقراطي


لذا فانا احيي نضال حزب الله و صموده
و لكني لا اري فيما يحدث نموذجا و لا مثلا يقييم لنا صلبا
فضلا عن ان يقضي علي عدونا
كما يقول الكاتب


فلنقل شعرا يرفع معنوياتنا
و لكن ايضا فلنحاول ان نفكر بعقلانية لنستبصر مستقبلنا
مغبة خداع النفس وخيمة

29/7/06 18:53
   
  Blogger عمرو قال/قالت:

عزيزي ياسر:
تبقى مساحة الاتفاق بيننا أكبر من مساحة الاختلاف إذن.

عزيزي عمرو عزت:
جميل أن تقول "كلنا مع المقاومة و ضد اسرائيل" و"اننا عمليا ندعم المقاومة بغض النظر عن تقديرنا لخطواتها" و"احيي نضال حزب الله و صموده". لكنني، للأسف، لا أرى في تعليقك الطويل، باستثناء هذه الجمل القصيرة، سوى محاولة -خجولة بعض الشيء- لإلقاء ظلال الشك على دور المقاومة وشرعيتها وشعبيتها وقدرتها على تحقيق انجازات مؤثرة.

مما يزيد شعوري بالأسف لموقفك، أنك تتخذ هذا الموقف في وقت خرجت فيه الجماهير العربية من أقصى نقطة في المغرب إلى أقصى نقطة في الخليج رافعة أعلام حزب الله وصور حسن نصر الله، معلنة دون لبس احتضانها للمقاومة ورافضة تخاذل ما يسمى ب ’النظام الرسمي العربي‘ الذي فقد كل ماء وجهه وأصبحت شرعيته في مهب الريح. ألا يؤرقك أن تجد نفسك منفصلاً إلى هذا الحد عن نبض الناس ورؤاهم ومشاعرهم؟! لا أعتقد أنك تود أن تكون من هؤلاء الذين يستعذبون عزلتهم عن بسطاء الناس، متعللين بالحديث عن "ثقافة القطيع" و "الديما جوجية" و"الغوغائية" شأن كل الأقليات التي نبذها شعبنا على امتداد نضاله الطويل.. الأقليات التي كانت تتحدث هي الأخرى عن"الغوغاء" و"الدهماء" و"انتفاضة الحرامية"!

ليس من قبيل الصدفة أن نجد هؤلاء الآن في خندق واحد مع الأنظمة التي طالما صدعوا رؤوسنا بالحديث عن فسادها وديكتاتوريتها وطغيانها!

تقول إننا "نرى على جانب مقاومة شرسة تربك العدو وعلى الجانب الآخر وطن ظهره الى الحائط". عن أي وطن تتحدث؟! ألا يُعد حزب الله الذي"يسطر بطولات رائعة في المقاومة" على حد تعبيرك جزءا أساسيا من نسيج هذا الوطن؟ ألا تحتشد خلفه غالبية الشعب اللبناني؟

حزب الله لم يأت من المريخ وليس كيانا متطفلا على الشعب اللبناني كما يزعم الصهاينة والمتخاذلون. ومحاولات تصويره كأنه خارج عن لبنان ومتطفل عليه هي الطائفية بعينها. المقاومة في لبنان تحظى بدعم وتأييد غالبية أبناء هذا الوطن، وتستند إلى تحالف عريض يضم في صفوفه جماهير غفيرة من الشيعة والسنة والمسيحيين من شتى التيارات الوطنية والقومية واليسارية. هل يشعر هؤلاء أن "ظهرهم إلى الحائط" أم أنك لا تعتبر هذه الغالبية جزءا من نسيج الوطن الذي تتحدث عنه؟ حتى التيارات اللبنانية التي تختلف مع حزب الله، والتي كانت تتحدث في البداية عن "المغامرة" و"التوريط".. حتى هذه التيارات ترفع اليوم سقف موقفها فتقول: لا تفاوض إلا بعد وقف إطلاق النار دون قيد أو شرط وإلا بعد تبادل الأسرى والجلاء عن مزارع شبعا وتسليم خرائط حقول الألغام. فهل هؤلاء أناس يتصرفون وظهرهم إلى الحائط كما تقول؟ عن أي وطن تتحدث يا عمرو؟!

ترى في القضاء على إسرائيل "مصطلحا غامضا". وليس في كلام تميم البرغوثي ما يشير من قريب أو بعيد إلى انه يريد "إبادة اليهود" أو "إلقاءهم في البحر". الكلام يدور هنا عن كيان استعماري عدواني توسعي، عن قاعدة مسلحة تخدم مخططات الهيمنة الأجنبية في منطقتنا،عن "دولة طارئة" على حد تعبير السيد حسن نصر الله، زُرعت في منطقتنا من أجل تحقيق أهداف استعمارية إستراتيجية محددة. هل يراودك أنت أدنى شك في أن هذه هي طبيعة هذا الكيان؟ ألا يشهد على هذه الحقيقة كل تاريخنا الممتد منذ أربعينيات القرن الماضي حتى الآن؟ كيف يمكن لك أن تقول "كلنا مع المقاومة وضد اسرائيل" ثم تراودك أية أوهام عن إمكانية التعايش مع مثل هذا الكيان؟

تتساءل: "هل الصواريخ المتبادلة علي البيوت هي التي يمكن ان ترجح خيار دولة واحدة و تعايش مشترك. ما هي رؤيتنا اذن التي تستند الي العلم السياسي بهذا الشان ؟"

سأترك جانبا الآن ما ينطوي عليه هذا التساؤل من استخفاف بآلام الفلسطينيين واللبنانيين وتعالٍ والتفاف على الحقوق المشروعة لا يليق بمن يقول "كلنا مع المقاومة وضد إسرائيل". وسأقول دون لف ولا دوران وبثقة كاملة: نعم! هذه هي الرؤية التي تستند إلى العلم السياسي بهذا الشأن! ما هي الرؤية البديلة التي تطرحها أنت؟ "عملية السلام" و"السلام كخيار استراتيجي" و"99% من أوراق اللعب في يد أمريكا"؟ ألم نجرب هذا كله على امتداد ربع قرن أو يزيد؟ ماذا كانت النتيجة؟ عمرو موسى يقول إن عملية السلام قد ماتت وإننا سلمنا أوراق اللعب إلى أمريكا فسلمتها بدورها إلى إسرائيل. أم أنك ستتهم عمرو موسى أيضا بالتطرف وبأنه "يصوغ رؤى شعرية عن الواقع والمستقبل كما نتمناه"؟ ماذا نفعل؟ هل نعيد الكرة ونبدأ "عملية سلام" جديدة تستغرق ربع قرن آخر؟ ارجع إلى الإحصائيات والدراسات عن المستوطنات الإسرائيلية وأعداد المستوطنين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وستجد أنها كانت تزيد وتتوسع توسعا سرطانيا مع كل بادرة سلام من جانبنا. التوسع الأكبر في بناء المستوطنات جاء بعد عقد اتفاقية كامب ديفيد مع مصر واتفاقية أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية. أليس هذا ما يقوله الواقع وما قاله أيضا إدوارد سعيد وهو رجل لا تستطيع أن تتهمه بأنه كان يريد إبادة اليهود أو إلقاءهم في البحر. انظر إلى الجدار العنصري العازل -الذي يمزق الأراضي الفلسطينية ويصادر أجزاءً كبيرة منها ويسرق المياه الفلسطينية ويقضى عمليا على إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة تملك مقومات الحياة- ألم يبن هذا الجدار في ظل "عملية السلام"؟ ثم انظر -وهو الأهم بحكم المنطق الذي تدافع عنه- إلى القوى الإسرائيلية الراغبة في السلام والتعايش مع العرب. أين هذه القوى الآن؟ ألم تنحسر وتنحصر الآن في بضع أصوات محاصرة صارخة في البرية بينما أصبحت الكلمة العليا-دون منازع- لأشد القوى الصهيونية عنصرية وعدوانية وتطرفا؟ السؤال البديهي الذي لابد أن نطرحه هنا هو: لماذا تنشأ قوى ترغب في السلام والتعايش مع العرب إذا كان الصهاينة يحققون كل مخططاتهم التوسعية دون مقاومة قادرة على ردعهم.. دون خطر حقيقي على سكان إسرائيل ودون ثمن يدفعونه؟ لماذا تنشأ هذه القوى أصلا إذا كان النظام الرسمي العربي قد تحول إلى جثة هامدة ونفض يديه تماما من القضية الفلسطينية بل وتحول بعض أركانه إلى سماسرة يضغطون على المقاومة لحساب أمريكا وإسرائيل؟ لماذا تنشأ هذه القوى وإسرائيل تلقى الدعم الكامل من القوة الأعظم ويتدفق عليها المال والسلاح الأمريكي بلا حساب؟ أين قوى السلام والتعايش الإسرائيلية هذه التي يتمزق قلبك حنانا لها وتعاطفا معها في الوقت الذي يشن فيه الصهاينة حرب إبادة ضد الفلسطينيين واللبنانيين ويستخدمون القنابل الفراغية والعنقودية وأسلحة الفوسفور والنابالم الحارقة ضد الأطفال والنساء والمدنيين العزل؟

الدولة الديمقراطية الواحدة ليست خياراً عملياً مطروحاً الآن، فإقامة مثل هذه الدولة يقتضي اختفاء إسرائيل كدولة يهودية كما تسمي نفسها وكما يريد قادتها أن تكون، تقتضي بالضرورة هزيمة المشروع الصهيوني، وهذا لن يتحقق إلا بمقاومة شرسة ونضال طويل الأمد متعدد المراحل.. لن يتحقق إلا بتغير جذري في ميزان القوى.

وعلى هذا فإنني أقول لك إن هذه "الصواريخ" التي تزعجك وتؤرق ضميرك تعيد قدراً من التوازن إلى الميزان المختل. أم انك تريد أن تبيد إسرائيل سكاننا المدنيين دون رادع بينما نقف نحن مكتوفي الأيدي نمصمص شفاهنا متذرعين بنزعة"إنسانوية" ملتبسة لا مكان لها في منطق الحرب ولا يأبه لها أحد على أرض الواقع؟ هل نحن أمة من الحمقى والبلهاء؟ ألا يجدر بي أن أسألك هنا: من الذي يصوغ "رؤية شعرية عن الواقع" تميم البرغوثي أم أنت؟

ليس هذا وقت اللهو بالكلمات. إذا كنت تريد تقييما لما فعلته "الصواريخ المتبادلة" ولما فعله حزب الله فإنني أحيلك إلى ما كتبه منذ أيام الكاتب الإسرائيلي يوري أڤنيري، أحد الأصوات النادرة الصارخة الآن في البرية داخل إسرائيل. ولعلك لا تتهمه هو أيضا بالرغبة في "إبادة اليهود" أو "صوغ رؤى شعرية عن الواقع":

"إن النتيجة ستكون تعزيزاً لقوة حزب الله لا اليوم فقط بل لسنوات قادمة. ربما ستكون هذه هي النتيجة الرئيسية للحرب.. النتيجة الأهم من أي انجازات عسكرية فيما لو تحققت أي انجازات. ولن يكون هذا الأمر قاصراً على لبنان وحده بل سيمتد ليشمل كافة أرجاء العالم العربي والإسلامي."

"فيما يتعلق بالردع، فإن حرباً تعجز فيها آلتنا الحربية الهائلة، على امتداد 11 يوماً من الحرب الشاملة، عن التغلب على منظمة صغيرة تخوض حرب عصابات، هذه الحرب لن تعيد قطعاً الاعتبار لقوة الردع الإسرائيلية. وفي هذا الصدد، ليس المهم هو المدة التي تستغرقها هذه الحرب والنتائج التي تسفر عنها.. إن بضعة آلاف من المقاتلين قد استطاعوا الصمود أمام الجيش الإسرائيلي على امتداد 11 يوماً، وهذه الحقيقة قد انطبعت بالفعل في وعي مئات الملايين من العرب والمسلمين."

لقد نجح نموذج حزب الله في لبنان -بقدراته المحدودة- في تلقيننا جميعاً درساً بهدمه مجموعة من الأسس التي يقوم عليها أهم مبررات وجود دولة إسرائيل وهو قيامها بدور الرادع المتفوق والقادر على إجهاض أي طموحات خارجة على المشاريع الاستعمارية. هذه الأسس التي تروج لها إسرائيل هي:

1. العمق الإسرائيلي آمن و لا يستطيع أحد المساس به والحروب التي تشنها إسرائيل تجري فقط على أراضي الغير.
2. التقنيات الدفاعية الإسرائيلية متقدمة جداً ولا يمكن اختراقها.
3. القوات البرية الإسرائيلية متفوقة في العدة والعتاد والتدريب والتقنيات ولا يمكن التصدي لها ولا إلحاق الهزيمة بصفوفها.
4. المخابرات الإسرائيلية والأمريكية متفوقة تفوق كاسح وقدراتها البشرية والتقنية خارقة (تمكنها من سماع دبيب النملة ورؤية ماركة فانلاتنا الداخلية).

أثبتت تجربة حزب الله زيف كل هذه الإدعاءات. وأعطى مثلاً لما يمكن تحقيقه إذا توفرت الإرادة وخلصت النفوس.

أما عن موضوع بناء الدولة الحديثة في المنطقة العربية ومحدداتها التي وضعها الاستعمار ليبقيها ضعيفة وتابعة له فهو موضوع طويل خصص له تميم البرغوثي -الذي تستخف ب"خطابه العلمي"- سنوات من الدراسة وكان موضوع رسالتيه للماجستير والدكتوراه في العلوم السياسية. وربما تتاح لك الفرصة لقراءتهما بتأن في وقت آخر.

وأما عن نظرتك إلى ’الدولة‘ كمفهوم مجرد وطرحك له كنقيض لـ"حالة الاحتلال"، وقولك أنها "علي مر التاريخ هي الشكل الارقي للفعل الجماعي المنظم"، فهذا موضوع يمكن أن يطول النقاش فيه. لكن السؤال الجوهري الذي ينبغي أن نطرحه هنا هو: ’دولة‘ من وأي المصالح تخدم؟ هل ترى مثلاً في ’الدول‘ العربية القائمة شكلاً أرقى للفعل الجماعي المنظم؟

وأخيراً فإنني اتفق معك في أن "مغبة خداع النفس وخيمة" ولعلك تتفق معي في أن مغبة تجاهل الواقع والقفز عليه وخيمة أيضاً.

3/8/06 14:05
   
  Blogger عمرو عزت قال/قالت:

عزيزي عمرو
حاولت أن أوضح ان هناك فرقا بين ما تراه صوابا او ما يعبر عن رؤيتك الكاملة و بين موقف عملي في لحظة محددة تتطلب انحيازا ما
لذا فانا لا اري تناقضا – و لا شان للخجل ايضا بذلك – في ان انقد سياسات حزب الله , او الواقع الذي انتجه و الذي يشارك هو في اعادة انتاجه , او حتي اسلوبه في المقاومة , بينما في لحظة مثل هذه انحاز اليه و ادعم مقاومته و دفاعه عن لبنان ضد العدوان الاسرائيلي

كما انني ايضا كنت ضمن من خرج مع تلك الجماهير العربية لادانة العدوان و دعم المقاومة ,و لعلنا كنا متجاورين في اولي هذه التظاهرات – عرفت بوجودك من زنجي – و كان يشرفني ان اتعرف عليك , لولا ان الوقت لم يكن مناسبا .
هذا لا يعني انني اجدا حرجا من اتخاذ موقف – او تحفظات علي موقف - اكون فيه ضمن اقلية ما او وحدي فلعلك تتفق معي انك تقدر كثيرا ان يشكل المرء قناعاته بلا خوف من ان يكون اقلية و بلا طمع في ان يلتحق باكثرية

بل و ربما اجد انه من الواجب دعما لمن تنحاز اليه ان تخلص اليه النصح , و احد اشكاله هو ان تعمل النقد في عمله من جهة نظرك و علي حد علمك .
و هذا لا اراه يؤثر بالسلب علي جهدك في دعمه , ما دمت لست جنديا علي جبهة في هذه اللحظة
لذا لا اتفق معك في تعبير " القاء ظلال الشك علي دور المقاومة و.... "

و حتي بالنسبة للاحزاب و الطوائف اللبنانية التي تراها تتحدث باسم غالبية اللبنانين , فهي ليستا حجة علينا كافراد نتبادل وجهات النظر . و لنا ان نقول ما نعتقد و للشعب اللبناني و ممثليه ان يتخذوا ما يشاؤون من مواقف

كما انني اري ان موقف بعض المتضامنين مع حزب الله و الناقدين له – مثل اليسار الديمقراطي – هو موقف اكثر نزاهة و اتساقا من مواقف تبدو اكثر جذرية في التضامن رغم انها تخفي من التناقض ما يفشيه التامل البسيط , مثل ما اراه في موقف تيار ميشال عون .
الاوائل عبروا عن موقفهم ناصعا كما يؤمنون به . و قالوا انتقادهم بشجاعة و حددوا موقفهم العملي بعقلانية
اما التيار الاخير فاقل ما يمكن أن يقال انه يمكن اثارة تساؤلات حول مصير تحالفه مع حزب الله في المستقبل القريب .

بالنسبة للنقاط الاخري التي تناولتها فالامر انني اتفق مع كثير مما قلت , فانا اتفق معك في الاتي :
ضرورة المقاومة المسلحة لدفع الاحتلال , اسرائيل كيان عنصري و طاريء و صنيعة استعمارية و يعاني من مشكلات بنيوية يمكن لمقاومة شجاعة ان تفجرها بقوة ,و الدول العربية صنعت علي عين الاستعمار , حزب الله جزء من النسيج اللبناني , و هو فعلا حطم اوهاما كثيرة و اساطير عن القوة الاسرائيلية الخرافية , لا اثق فيما يسمي حاليا زورا بعملية السلام .

و لكن انا اعتقد بضرورة وجود اهداف و رؤي سياسية محددة تخدمها المقاومة المسلحة , و هذه الاهداف و الرؤي في رايي يجب ان تعكس هما انسانيا اخلاقيا . اكثر من حمية قومية و نزعة انتقامية .
انت تواجه عدوا عنصريا , نعم ... و لكن لا اري ان نجاريه , بل اري ان التزامنا الاخلاقي ضرورة تابعة لاعتقادنا اننا نناضل من اجل الحق , لا من اجل الانتقام و لا التشفي . لا اعتقد انه من المجدي محاولة اعادة عجلة التاريخ الي الوراء , التاريخ مثقل بخطايا البشر و جرائم صناع الامبراطوريات و المستعمرين و الغزاة و الفاتحين و المقاتلين باسم الله .
اسرائيل كيان عنصري , نعم ....و لكنه يضم بشرا افرادا ولدوا و وجدوا انفسهم هناك في وسط معركة دائرة , تماما كما يولد الطفل الفلسطيني في وسط هذه المعركة.
انا انسان اولا قبل ان اكون عربيا و مسلما , و انا لم اختر و الشاب الاسرائيلي لم يختر هو الاخر هويته
لذا فرايي ان موقفي هو البحث عن حل انساني لهذه المشكلة , و مراعاة كل هؤلاء الذين لم يشاركوا في صناعتها ان لم يتخذوا مواقفا عنصرية او عدوانية

هذا رايي و ما اعتقده , اما عن موقفي العملي هنا و الان فلا اشك في اني ادعم نضال المقاومين في فلسطين ضد الاحتلال , و علي راسهم حماس , ولا اري تناقضا بين ذلك و بين كوني انتقض خطابهم و اسلوب عملياتهم فيما بتعلق باستهداف المدنيين او العمليات الانتحارية /الاستشهادية .
و في النهاية لا اري بديلا عن المزاوجة بين المقاومة المسلحة الضاغطة و بين التفاوض و محاولة الوصول لحلول معقولة لاحلال سلام حقيقي .
و بدون تكامل بينهما لا اعتقد ان احدهما يجدي وحده .

فيما يتعلق بحزب الله و وضعه داخل التركيبة اللبنانية و فالامر ان انتقادنا للتركيبة الطائفية اللبنانية ليس موجها لطرف بذاته , و لكنه موجه لهم جميعها بقدر ما هم اجزاء منه و مشاركين في اعادة انتاجه و استمراره , و الموقف هنا و الان – مرة اخري – لا يتعارض مع دعم ما اراه صوابا و هو الانحياز لتيارات وطنية مناهضة للطائفية و ساعية لاقامة وطن واحد ديمقراطي .

فيما بتعلق بالدولة العربية فانا لا ادعو بالقطع للتعلق باستار النظم العربية باوضاعها الحالية .
و لكني لا اري ايضا ان الاستعمار هو " الله " . و لا الدول و النظم التي ساهم في قيامها هي هويات جوهرية ثابتة علي مر التاريخ .
بل اراها ساحات لصراع ارادات , و ما اتمناه هو السعي لاعادة البناء من اسفل ,و تملك الشعوب لامرها عبر الضغط من اجل اصلاح هذه النظم .
و معارك الاصلاح هذه يكون الاستعمار و وارثيه طرفا فيها بالقطع .
لذا فالدولة العربية – بشكل مجرد - ليست خيارا مقابلا للمقاومة . و الدول ليست هي النظم الحاكمة . و ان كان الخلط بينها شائعا .

هناك اجتهادات كثيرة فيما يتعلق بالشكل الانسب للحكم و اشكال الدولة . و لكن لعلنا نتفق ان الدولة الوطنية هي الوحدة السياسية التي نتعامل وفقها الان . و اعادة اصلاحها ديمقراطيا يمكن ان يفضي الي تطويرها باتجاه اشكال اخري .

اخر ما نتعمله من التركيبة اللبنانية هي اشكال التنظيم البديلة , كما ان اخر ما يقدمه لبنان و كل احزابه و طوائفه هو قوة المثل و النموذج التي يمكن ان تواجه العدو الاسرائيلي في مواجهة استراتيجية و طويلة .
ما اقول اني اعتقده فهذا ما يبدو لي صوابا فحسب . فانا لا ادين بعقائد سياسية ما . و لكني اري في نموذج الدولة الديمقراطية – بكل ما تحتويه الكملة من عموم و تنوع – هو افضل النماذج السياسية الانسانية و اكثرها دعما لتحرر الانسان و تحقيقا للعدل و المساواة . و هو الشكل الاكثر قبولا للتطوير و المراجعة .
و اذا كنا نطمح لقو ة المثل و النموذج ثم القدرة علي الفعل ,فعلينا ان نبدا بهذا المسار .
بدلا من بقاؤنا في مقاعد المتفرجين بينما معارك مصيرية تدور بالجوار .
من اجل هذا لا اري ان موقفنا العملي اللحظي يجب ان يطمس جدلنا حول مواقفا اكثر جذرية فيما يتعلق بمستقبلنا .
دمت بخير .

4/8/06 03:17
   
  Blogger عبد الحق قال/قالت:

يقول الاستاذ عمرو عزت فى تعليقه السابق:" الدول ليست هي النظم الحاكمة وان كان الخلط بينهما شائعا" هل لى ان أطلب منه ان يوضح لى الفارق بين مفهوم الدولة ومفهوم النظام الحاكم من وجهة نظره؟

سؤال آخر: قال السيد حسن نصر الله في كلمته المتلفزة المذاعة يوم الخميس الماضي: " نحن نقوم برد فعل وفي اي وقت تقررون فيه وقف حملاتكم على مدننا وقرانا وبنيتنا التحتية نحن لن نقصف بالصواريخ أي مستعمرة أو مدينة اسرائيلية". اريد هنا ان أسأل الاستاذ عمرو عزت هل يكفى هذا لكى تستوفي المقاومة اللبنانية المعايير الأخلاقية التى يطلبها؟

6/8/06 23:08
   
  Blogger عمرو عزت قال/قالت:

عبد الحق

الدولة هي مجموع المؤسسات العامة التي تنظم حركة المجتمع و تدير شؤونه
هناك من يستخدم لفظ " النظام " أيضا للدلالة علي ذلك و لكن بمعناه الواسع
او يستخدم مصطلح " النظام السياسي " ليشمل كل المؤسسات التي تؤثر في المجال السياسي
بما فيها تشكيلات المعارضة

النظام الحاكم يعني المجموعة التي تعتلي سدة المؤسسات السياسية السيادية و هي تمارس السلطة و تدير أجهزة الدولة وفق برنامجها السياسي



بالنسبة للسؤال الثاني

ما أعنيه هو بالضبط مثل تقييمك لمدي اخلاقية الرد بالاعتداء علي أهالي أفراد الشرطة , ردا علي ما تقوم به الشرطة في الدول البوليسية من اعتداءات علي أهالي المعارضين للضغط عليهم .
ما الفارق في تحمل المسؤولية بين طفل ولد الان في اسرائيل لاب اسرائيلي – ربما كان محاربا - و كون طفلا اخر ابنا لجلاد في جهاز شرطة قمعي

7/8/06 00:21
   
  Blogger ibn_abdel_aziz قال/قالت:

عمرو يا عزت
انا مستمتع جدا بما تكتب
بصراحة انا منبهر

بدأت بعبارة تدفع شك العمالة والانهزام وكانك ان انتقدت حزب الله انتقدت المقاومة
فقلت كلنا مع المقاومة وضد اسرائيل

وهذا في حد ذاته يدل علي علو الخطاب العنتري الحالم المتوعد بالويل والثبور لو انك قلت
قفوا نفكر قليلا
هل الموضوع صواريخ رايحة جاية وخلاص؟

يجب ان نعيد تعريف المقاومة اصلا
ما يحدث الان في لبنان ليس الا رد فعل عسكري

بمعني
لو الجيش اللبناني انتشر في الجنوب
وحزب الله خضع للسلطة اللبنانية
واسرائيل انسحبت
انتهي حزب الله
وبقت اسرائيل

الاعمي حيقول كدة وهو مش شايف
دولة تحارب عصابة او مليشيا
والحرب في لبنان
وليست في اسرائيل
وشوية الصواريخ اللي بتقع كل متين منها بيموتوا عشرة
يدل علي سطحية فهم الحالمين بالنصر النصراللاوي الكاسح
يمتلك جزب الله ما بين 5000 صاروخ الي 15000

نقول الرقم الاولاني مش دقيق والتاني مش دقيق
نقول 7000

حزب الله رمي كام صاروخ لحد الان؟
مية كل يوم
بقاله اد ايه بيرمي؟
شهر
؟
ادي 2400
قتلوا كام واحد؟
100

جميل قوي خالص
لو رموا ال7000 كلهم يموتوا كام؟
500 ؟

وبعد كدة تنتهي الذخيرة؟
والجسور اتدمرت
ما فيش امدادات
ايران بتصقف
سوريا بتولول
بس ما فيش امدادات

حزب الله له شعبية عشان وجع الاسرائيلين حبة
وبقي الحمد لله نصر الله امير المؤمنين
يبقي انا كافر بأة
لانه مش اميري

بدون تخاريف واوهام
حزب الله انتهي عسكريا
ربع لبنان اتهد
ربع السكان هاجروا

بقت اسرائيل دولة بشوية كبرياء مجروح
وانتهي حزب الله مع اول نشر للقوات اللبنانية او الدولية
وتبقي اسرائيل
وكمان كام سنة
الحكومة الاسرائيلية الجديدة تعمل مصالحة مع اللبنانيين
وعلاقات
وانتهي الامر
واصبح فيه دولة لبنانية بدون حزب الله
ودولة اسرائيلية عرفت تخسرلها 100 عسكري وفي المقابل تخلي كل صواريخ حزب الله تنتهي

طبعا اسرائيل مع كل صاروخ حزباوي بينزل علي اسرائيل بتقول للعالم شفتم مش قلتلكم ده حزب سهن عمال بيجهز من زمان مع اننا انسحبنا
وكان بس مستني الفرصة
وادينا ورتكوا

اما موضوع خلق الوعي عند الشعوب العربية بمجرد ما حزب الله يحرز بعض الانتصارات

فهذا امر غريب بصراحة
ما هو حزب الله حارب اسرائيل 15 سنة قبل كدة وتسبب في طردها من الجنوب
وما شفناش شعوب عربية فاقت ولا حاجة؟
هي اول مرة حزب الله يخوض معارك شرسة مع اسرائيل؟
واول مرة يوجع كرامة امريكا ؟
بلاش يا سيدي
حادثة الصومال لما شوية عضابات صوماليةوقعلهم طيارة هلكوبتر
وبعدين كلنتون قرر سحب الجيش الامريكي
مين اللي فاق من العرب؟
شعوبا او غيرهم ؟

انا افهم ان اسرائيل بتوجع ناس كثير اوي ونفسهم يشوفوا فيها يوم
بس يا تري الناس اللي محروقة قوي كدة مبتقراش التاريخ اللي هو اصلا مش بس حديث ده مفتش عليه عقد او عقدين من الزمان ؟

حاجة تانية
ايه حكاية معركة الامة دي؟
اسرائيل زالت بكرة؟
وبعدين؟
ايهه اللي حصل بعد كدة؟
رمينا اسرائيل في البحر
والسمك كلهم لما مخلاش فيهم عضمة
يارب يتحرقوا

وبعدين؟؟؟؟؟؟؟

شوية الحالمين دول اسالوا كدة عرب اسرائيل
ليه افضله يكون معاه جنسية اسرائيلية وميكونش معاه وثيقة سورية او اردنية او مصرية؟

ممكن حضراتكم تتحاوروا مع الناس دي وتقوللنا ليه كثير منهم احسن له يقعد كمواطن اسرائيلي في كيان مغتصب ولا يكون مقيم في كيانات شرعية اسمها دول عربية ؟

بصراحة انا مش عاوز اهد لحد احلامه وخاصة اليوفوريا عالية اليومين دول قوي
وده طبيعي
بس بعد ما اليوفوريا تروح
اخشي عليكم من حالة اكتئاب شديدة تؤدي للانتحار

اسرائيل توسعية ؟
وده باة تخريفة جديدة؟
دول هما بيسيبوا الاراضي واحدة ورا التانية عشان مش عارفين يديروها
يتوسعوا فين ؟

مش مصلحتهم احتلال جنوب لبنان اصلا
خلاص
عارفين انهم مش قادرين علي خسائر يومية تكبدوها 15 سنة قبل كدة
سابو غزة
يتوسعوا فين ؟

ده مش دفاعا عنهم
بس ده واقع
هو احنا حنخترغ اسطورة عشان نصدقها
عشان نقول خبوا عيالكوا اسرائيل جيالكو؟؟؟

اسرائيل انهزمت توسعيا من زمان
معركتنا معاها الان ثقافية مش عسكرية
حضارية مش عنترية
امتصاصية احتوائية مش مقاومية
استراتيجية طويلة الامد مش رد فعلية

عندما تسال بدوي من بدو سينا
ويقولك يوم من ايام طابا تحت اسرائيل احسن من العيشة الوسخة اللي عايشنها الان تخت مبارك

لو حد فيكم فهم العبارة دي
بدون كلكعات وفلسفة وثورة
حيعرف حربنا مع ايه بالضبط
وضد ايه
اذا كانت اسرائيل عدو
فهي مش العدو الوحيد
بل هي رقم 4 او 5 علي القائمة

عمرو يا عزت انا كنت برد علي اكثر من نقطة قالوها الاخوة التانيين

بس انا شخصيا حاسس انك شايف الموضوع بشكل اوضح بكثير من غيرك
وانا وان كنت مش شرط اوافقك علي كل كلمة قلتها
بس يبدو ان ادراكك للصورة افضل من كثير من المثقفين

اللي علي فكرة ما فيش علج فيهم " علي راي اخونا الصحاف" الله يفضحه

طالب بتغيير الحكومات الا بعد سقوط بغداد

يعني لو مكنتش سقطت مكنش فيه لا كفاية ولا غيره

حقوق الانسان العربي داخل وطنه المنتهكة بايد العربي عادي خالص وامر متقبل

لكن لو اسرائيل بلطجت علي عربي
بنتحرق قوي

ربي اللي بعبده مش رب العرب بس
ما قالليناش في القران

وان ظلمتم بعضكم بعضا فلا جناح عليكم
وان كان نصرانيا او يهوديا فعنتروا

اسرائيل مش حتتهزم لسبب بسيط
هو ان مثلا
لما اللاجئين السودانيين اتضربوا في الشارع في مصر المصريين شمتوا فيهم

والمصري حيموت نفسه يروح يحارب في لبنان
طب ما كان عندك لاجئين مرميين في بلدك ..هببت ايه عشان تساعدهم؟

بلاش نفاق
وتعالوا نتكلم في ازدواجيتنا البشعة
عشان ربنا مبينصرش منافقين
ولو اسرائيل امة معتدية وابصم بالعشرة انها معتدية
مش حينصر عليها امم منافقة
عشان دي ضد سنة الكون

8/8/06 08:05
   
  Blogger Zengy قال/قالت:

أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.

12/8/06 01:39
   
  Blogger محب mohep قال/قالت:

إذا كان لي أن أحاول إحياء النقاش مرة أخرى، والذي انشطر وانتقل لعدة أماكن أخرى مع أطرافه، دعوني أختزل فكرة تميم البرغوثي في نقاط - في هذا المقال ومقال آخر بالأهالي ومقال بالويكلي:

1. إسرائيل كلها والدول العربية بأنظمتها القائمة منتجات للاستعمار القديم، ووجود إحداها مرهون بالأخرى. بالتالي فأي مقاومة عربية لإسرائيل لابد وأن تهدف لتقويض المشروع الصهيوني وأن تسعى لإسقاط أنظمتها هي في نفس الوقت.

2. حزب الله أعاد تعريف واكتشاف معنى وحدود مقاومة عربية مسلحة غير نظامية لإسرائيل، فالخسائر التي أوقعها في الدبابات والبوارج والطائرات والجنود والضباط هائلة قياسا لإمكانياته وللزمن الذي تمت فيه، إضافة لشل قدرة إسرائيل على صد الصواريخ عن أرضها وشل حياة الناس فيها وإدخالهم الملاجئ، وأخيرا احتفاظ حزب الله بقوة سمتح له بالاستمرار في المعركة طيلة شهر كامل على الأقل.

3. إعادة التعريف والاكتشاف هذه من شأنها أن تشحذ همة الجماهير العربية فلا تعتد بجيوش بلادها بل تنخرط بنفسها في المقاومة المسلحة وتعلن العصيان على حكوماتها. وفي هذا نهاية إسرائيل ونهاية الدكتاتوريات العربية الفاسدة صنيعة الاستعمار القديم والممالئة للاستعمار الجديد.

4. قيمة الأرباح والخسائر في معركة لا تحسب فقط بعدد الضحايا وثمن الممتلكات وتكلفة البنية التحتية المدمرة والبنية العسكرية المدمرة، بل أيضا بمقياس الكرامة، وهي ما لو خسرته الشعوب خسرت كل شيء أو لم يعد لأي مكسب آخر قيمة (نفس الفكرة ترددت في مقالات محمد السيد سعيد الأخيرة).

16/8/06 11:07
   
  Anonymous غير معرف قال/قالت:

ulti
والله يا تميم لقد طمى الخطب حتى غاصت الركب والظاهر في ناس اصبحت كالتماسيح بتحسش الله مك يا تميم لخير الامة

9/11/08 16:12
   
  Blogger مسلم قال/قالت:

انا متفق مع الاخ ياسر

من جهه اخرى هل لان حزب الله شيعي مو عاجبكووو من باب المعرفة هناك عند الشيعة اثنان وخمسون فرقة او شيعة هناك فقط شيعتان او فرقتان يحسبوا مع المسلمين واحداها هي شيعة حزب الله تؤمن الايمان الكامل بسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام ويصدقون التصديق الكامل بالسنة لكن الاختلاف الوحيد بيننا وبينهم مسالة الولاية فهم يقولون ان عليا ولي الله ولا ولي غيره انا لا اقول ان هذا ليس خطا لكن يظلوا مسلمين ولا يمكن تكفيرهم
واوقول ايضا انحزب الله هو النموذج النقي فعلا وما يقوم به الحزب من عمليات هو اكبر دليل وعدم تخاذله امام القضية الفلسطينية

17/12/08 20:31
   
  Anonymous غير معرف قال/قالت:

يا جماعة الله يخليكم انا رسالة تخرجي بعنوان التناص الادبي في ديوان في القدس لتميم البرغوثي ...الله يخليكم حدا يساعدني بعناوين مراجع والله انا محتاجة المساعدة

7/9/11 22:16
   
  Anonymous غير معرف قال/قالت:

اعرف انو خارج الموضوع بس والله احترت .. اللي يحب يساعدني faiza0386@hotmail.com

7/9/11 22:21
   

إرسال تعليق

أول الشارع >>